Facebook

Twitter

YouTube

EOSC

رغم ضخ 125 مليار دولار .. النظام المصرفي الصيني يواجه معضلة سيولة وديونا متعثرة

في أيار (مايو) الماضي أعلنت السلطات الصينية أنها ستستحوذ على بنك باوشانج المتعثر، وفي ذلك الوقت ضخت ما قيمته 125 مليار دولار في النظام المالي، للحيلولة دون اتساع نطاق الأزمة، والعمل على إبقائها محصورة في ذلك البنك فقط. وقبل نحو أسبوع نفذت قرارها واستحوذت بالفعل على البنك.
الخطاب الرسمي للسلطات المالية الصينية بشأن تلك الأزمة، تمثل في أن البنك بالأساس بنك محلي يقع مقره الرئيس في منطقة منغوليا الداخلية، وهو بنك صغير الحجم وتأثيره محدود في الاقتصاد الصيني العملاق، فأصوله تبلغ نحو 90 مليار دولار فقط، وراهنت السلطات على أن عملية الاستحواذ لن تبعث برسائل سلبية إلى الأسواق المحلية أو الدولية. إلا أن النتيجة كانت على العكس من ذلك تماما. وسلطت هذه القضية الأضواء مجددا على النظام المصرفي الصيني، والتحديات التي تواجهه بدءا من نقص السيولة، انتهاء بالديون المعدومة وتأثيرها السلبي في النمو الاقتصادي عامة والقطاع المصرفي على وجه التحديد. وطرحت عملية الاستحواذ على بنك باوشانج تساؤلات أوسع نطاقا حول مدى صحة وسلاسة العلاقة القائمة بين البنوك الكبرى في الصين والبنوك الصغيرة ومتوسطة الحجم، وهل تمتلك السلطات المالية رؤية أو خطة واضحة المعالم للتعامل مع الأزمات المستفحلة في النظام المصرفي الصيني؟
في الحقيقة لا يعد استحواذ السلطات الصينية على البنوك المتعثرة في البلاد ظاهرة جديدة، إلا أنها ظاهرة توقفت منذ عقدين من الزمان، إذ إن آخر عملية استحواذ بنكي وقعت قبل عشرين عاما، ومن ثم كان تكرارها بعد تلك السنوات الطويلة، كفيلا بإثارة قلق القطاع المصرفي في الصين، والأكثر خطورة أن عملية الاستحواذ عمقت الصعوبات التي تواجه البنوك الصينية فيما يتعلق باقتراض الأموال من المقرضين الكبار، كما فجرت أزمة حقيقية، إذ انتشر النفور بين بنوك الصين الكبرى والبنوك والمؤسسات المالية الصغيرة التي تعتمد عليها في الوصول إلى ما تحتاج إليه من قروض وسيولة مالية.
الخبير المصرفي جراهام جرين يعد أن ما حدث أخيرا من الاستحواذ على بنك باوشانج كشف عديدا من الثغرات التي توجد في النظام المصرفي الصيني.
وقال لـ'الاقتصادية' جراهام جرين: 'عملية الاستحواذ أثارت مخاوف بشأن المخاطر التي يتعرض لها القطاع المصرفي الصيني، في ظل التخلف عن سداد الديون الذي يترافق مع تباطؤ النمو الاقتصادي، يضاف لذلك مشكلات السيولة التي تواجه البنوك الصينية حتى الكبيرة منها، ولهذا انتاب كبار المقرضين المحليين والدوليين مخاوف بأن تمتد المخاطر إلى سوق السندات المحلية، وأصبح المقرضون يترددون في قبول سندات الشركات كضمان'.
وأضاف، أنه بالطبع عملت السلطات الصينية على التقليل من تلك المخاوف، حيث أشار كثير من المصرفيين الصينيين، إلى أن عملية الاستحواذ ربما تكون الأولى من نوعها منذ الأزمة المالية التي شهدتها البلاد في أواخر التسعينيات، لكن الحكومة الصينية أعادت رسملة البنوك المتعثرة عدة مرات وأجبرتها في كثير من الأحيان على الاندماج مع بنوك الدولة، لكن ذلك كان يتم دائما بهدوء.
من جانبه يدفع ذلك بالدكتور إدموند غرين أستاذ الاقتصاد الأسيوي في جامعة بروملي، إلى القول بأن إعلان الصين بشكل واضح عن عملية الاستحواذ وتحديد مدتها بعام خطوة مهمة في فهم السياسة المصرفية الصينية.
وقال: 'غياب الشفافية أحد جوانب القصور التي توجه إلى النظام المصرفي الصيني، إلا أننا نلاحظ هذه المرة أن السلطات المالية لم تقف عند حدود الإعلان عن عملية الاستحواذ، بل أعلنت عن قلقها من احتمال وجود مؤسسات مصرفية ومؤسسات مالية يرجح أن تختفي، وهذا أمر غريب بالنسبة لاقتصاد يدعي أنه ينمو بنسبة 6.5 في المائة، وأن متوسط معدل القروض المتعثرة أقل من 1.5 في المائة ولديه ازدهار في أسواق البناء والعقارات'.
وفي الواقع ورغم الأرقام الرسمية الصينية بشأن القروض المتعثرة، والتأكيد الدائم على أن الوضع تحت السيطرة، فإن التحليلات الأكثر عمقا تشير إلى عكس ذلك.
ففي العام الماضي عملت السلطات الصينية على تقيد نفوذ النظام المالي أو إعادة ضبطه إذا جاز التعبير، ولم يزد ما يعرف بالائتمان المتميز إلا بنسبة متواضعة لم تتجاوز 10 في المائة، وتراجعت نسبة القروض الجديدة بنحو 14 في المائة، وشددت الحكومة الإجراءات ضد ما يعرف ببنوك الظل، على أمل أن تتم عمليات الاقتراض عبر النظام المصرفي الرسمي، ونجم عن تلك الإجراءات أن انخفضت الودائع الجديدة بنسبة 1 في المائة، وباعت البنوك كثيرا من الديون المتعثرة لشركات إدارة الأصول.
بدوره يشير الخبير الاستثماري لويس تايلر إلى أن الإجراءات الصينية لم تفلح في وضع حد أو حتى تقليص الديون البنكية المتعثرة، التي يعتقد أنها باتت تضغط بشدة على النظام المصرفي الصيني ككل، خاصة في ظل الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، التي تخفض بشكل كبير من هامش المناورة لدى الصينيين.
وأضاف: 'بدأت الصين العام الماضي بديون متعثرة وفقا للإحصاءات الرسمية بـ 1.7 تريليون يوان، وبعد بيع ما يقرب من كامل الأسهم المتاحة للقروض المتعثرة أنهت العام بقيمة إجمالية للديون المتعثرة بترليوني دولار ، أي أغلقوا العام بأكثر مما بدأوا به'.
والنتيجة السلبية لذلك من وجهة نظره ستبرز مع الوقت، وستتفاقم خلال السنوات المقبلة أزمة النظام المصرفي الصيني، فعلى البنوك تكريس مزيد من الأرباح لمخصصات خسائر القروض، وخلال النصف الأول من العام الماضي خصص بنك الصين الصناعي والتجاري 43 في المائة من الأرباح لتعزيز احتياطات رأس المال لتجنب أزمات مستقبلية.
ويختتم الخبير الاستثماري لويس تايلر تعليقه بالقول، إن السلطات الصينية تخدش بالكاد سطح الصعوبات الناجمة عن قضية القروض المتعثرة، كما أنه لا يوجد للسلطات المالية خطة واضحة المعالم للتعامل مع المقرضين الأصغر والمتوسطي الحجم الذين يمكن أن ينهاروا تحت وطأة الديون المتعثرة، فالصين وفقا لاعتقاده بحاجة ماسة إلى الكشف الكامل والشفاف عن حجم مشكلة الديون المعدومة وإلى خطة واضحة لمعالجتها، فكلما طال التأخير كان الإصلاح أكثر تكلفة ومؤلما.
لكن الاستحواذ على بنك باوشانج لم يسلط الضوء فقط على قضية الديون المعدومة لدى البنوك الصينية، بل كشف عن علاقة مختلة تماما بين البنوك الكبرى والبنوك الصغيرة في الصين. ويعتقد بعض الخبراء المصرفيين، أن الإجراء الصيني سيزيد القضية اختلالا.
إذ ستترك عملية الاستحواذ تأثيرات سلبية في أسهم البنوك الصينية الصغيرة والمتوسطة في الأجل القصير، خاصة مع تصاعد القلق لدى كثير من المودعين الصينيين بشأن مستقبل البنوك الصغيرة تحديدا، ما يتوقع معه أن يقوموا بسحب ودائعهم المالية وتحويلها إلى البنوك الكبيرة الأكثر ضمانا، كما أن البنوك الكبيرة فقدت الشهية في إقراض البنوك الصغيرة في الوقت الحالي على الأقل. وسيوجد هذا الوضع علاقة غير صحية بين البنوك الكبيرة من جانب والصغيرة والمتوسطة من جانب آخر، كما سيؤدي إلى مزيد من التركز المصرفي في الصين، وهو ما قد يكون خطرا على النظام الاقتصادي ككل في أوقات الأزمات المالية.
وفي ذات السياق قال، الدكتور فاولز ميلتون أستاذ النظم المصرفية في جامعة أكسفورد، إن هذا الاتجاه ربما يوجد أزمة سيولة لدى النظام المصرفي الصيني.
ولـ'الاقتصادية' يعلق قائلا: 'عندما يقوم العملاء بتحويل أموالهم من بنوكهم إلى البنوك الكبيرة يوجد ذلك ضغوطا على السيولة، ويبدو أن بنك الشعب الصيني استشعر المخاطر الناجمة عن ذلك فقام بأكبر عملية حقن مالي في الأشهر الأربعة الماضية، بإقراض البنوك الصغيرة والمتوسطة ما يزيد قليلا على 72 مليار دولار من خلال تسهيلات الإقراض متوسطة الأجل، وذلك لإيجاد أجواء إيجابية وسط بيئة المخاطر الحالية'.
ويواصل: 'إلا أن هذا المبلغ لا يكفي، فالنقص في السيولة في المصارف الصينية خاصة الصغيرة والمتوسطة متزايد، وسيتصاعد في الأشهر المقبلة نتيجة القروض مستحقة السداد، فما يوازي 1.6 تريليون يوان من شهادات الإيداع يجب أن تسدد نهاية هذا الشهر، وما قيمته 200 مليار يوان قروض الصندوق متعدد الأطراف واجبة السداد الشهر المقبل، ما يتطلب مزيدا من الحقن المالي من قبل بنك الشعب في النظام المصرفي'.

المصدر: إتحاد المصارف العربية

  • تموز 04, 2019

Top