Facebook

Twitter

YouTube

EOSC

فلسفة ومنهج اقتصاد السوق الاجتماعي

حان الوقت في اليمن لتغيير فلسفة ومنهج العمل الاقتصادي
لماذا التحول إلى اقتصاد السوق الاجتماعي؟ وما هي مزاياه؟
مبادئ وأهداف اقتصاد السوق الاجتماعي لبناء دولة مؤسسية ديمقراطية
هل يمكن تطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي في الدول المختلفة؟
مبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي والتأصيل الإسلامي لها

 

حان الوقت في اليمن لتغيير فلسفة ومنهج العمل الاقتصادي
كنت قد تساءلت في مقالة سابقة نشرت في صحيفة الثورة عدد 5 أغسطس 2012 بعنوان "أين الاقتصاد في بحر السياسة الثائر؟"، حول أوان أن تكون القرارات المتعلقة بمواردنا ومعيشتنا اقتصاديةً وليس سياسية أو نفعية. وأكدت في ذات المقالة وفي غيرها أننا في أمس الحاجة لتضمين الحوار الوطني القادم محوراً للقضايا الاقتصادية والتي لا تقل شأناً عن أخواتها السياسية، وكذلك النص على الأسس والمبادئ العامة الموجهة والحاكمة لاقتصادنا في الدستور الجديد الذي يجب أن يتجاوز فلسفة اقتصاد السوق الحر الحالية إلى اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يوازن ويحافظ على المبادرات الفردية لاقتصاد السوق من ناحية ويؤكد على المسئوليات والتكافل الاجتماعي للفاعلين في الاقتصاد من ناحية أخرى، ضماناً للعدالة الاجتماعية. وفي هذه المقالة أكرر الدعوة لكافة الفاعليات المجتمعية وخاصة الأحزاب السياسية أن تستفيد من الفرصة التاريخية المتاحة حالياً، لها فردياً وللوطن مجتمعاً، وتعمل على مراجعة وتطوير توجهاتها السياسية والاقتصادية بما يتواءم مع المرحلة والأحداث التي تستدعي تطوير حقيقي وليس لفظي، يوفر القدرة على الاستمرار في الساحة السياسية بنفسٍ جديدٍ وعمقٍ أصيلٍ يتجاوز النزاعات القائمة والتي كشفت عن نفسها في عصبياتٍ ومناطقيةٍ مقيتةٍ وفكرٍ ضيقٍ، لا يرقى أياً منها للتعبير عن مشروع وطني عصري بعكس ما تدعيه تلك الأحزاب. 
وسأتناول في سلسلة مقالات – قد تكون جافة بطبيعة موضوعها - مبررات الحاجة لفلسفة ورؤية اقتصادية جديدة تلبي متطلبات المرحلة القادمة وخاصة دعوات التغيير وتحقيق الكرامة الإنسانية، وكذلك مناقشة مزايا فلسفة أو منهج اقتصاد السوق الاجتماعي وتطبيقاته الناجحة، وصولاً إلى إمكانية تبنيه في اليمن ومتطلبات العمل به بعيداً عن مجرد التقليد أو المحاكاة. وأبدأ هذه المقالة الأولى ببيان فشل السياسات الاقتصادية طوال أكثر من 15 سنة في وضع أسس لاقتصاد متنوع وديناميكي نتيجة العجز في التغلب على الصعوبات والتحديات التي تواجه مسار التنمية  الاقتصادية والاجتماعية عموماً. فقد أشارت الدراسات والتقارير العديدة حول أداء الاقتصاد اليمني خلال الفترة الممتدة منذ تبني الدولة فلسفة اقتصاد السوق الحر (الليبرالي) في عام 1995 بدعم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمات الدولية وبقية الجهات المانحة، والذي تُرجم في برنامج شامل للإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري، أشارت إلى تواضع ذلك الأداء بصورة عامة وعدم تحقيق المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي استهدفها البرنامج والخطط الاقتصادية والاجتماعية. لقد تم تبني ذلك التحول نحو اقتصاد السوق الحر في ظل ظروف وعوامل غير مستقرة أدت إلى الابتعاد عن العمل المنهجي والمخطط وأضفت على عملية التحول قدراً من الانتقائية في القررات والسياسات والاجراءات. لذلك، ورغم مرور هذه الفترة الطويلة منذ بداية الإصلاحات الاقتصادية في اليمن، إلا أن الاقتصاد  الوطني ما زال يتصف بتدني النمو وضعف الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والذي يتضح من مؤشرات الميزانية العامة والميزان التجاري وقصور السياسات الاقتصادية في التعامل مع التضخم والتراجع المستمر في سعر الصرف، بالإضافة إلى تحيز السياسات الاقتصادية ضد النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية مما أدى إلى تضاعف مستويات الفقر وتنامي أعداد العاطلين عن العمل بشكل متسارع ومنهم نسبة كبيرة من المتعلمين.  
كذلك، مع تنامي التحديات والصعوبات الداخلية والخارجية التي تواجه الدولة والمجتمع فى اليمن وعجز الدولة بمفردها عن تزويد الفقراء بالخدمات الصحية والتعليمية وغيرها من الخدمات العامة الأساسية، تثور تساؤلات حول دور الدولة ووظيفتها بل ومشروعيتها، خاصة مع استمرار تزايد السكان ونمو الطلب على كافة الخدمات العامة. وبالتالي، يصبح النهوض بالتعليم ونوعيته وتوفير الرعاية الصحية وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي قضايا ذات أهمية بالغة كسياسة عامة للدولة لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وكذلك توفير متطلبات النمو الاقتصادي. لقد اشتدت الحاجة والضغوط في السنوات الأخيرة لمراجعة السياسات الحكومية والبحث عن بدائل تحرك عجلة الاقتصاد وتخفف من المعاناة، إلا أن الحكومات المتعاقبة لم تملك قرارها واستمرت تجاري الأحداث والتطورات أمام تفاقمٍ واضحٍ للتحديات والصعوبات التي تواجهها البلاد.
لقد أجمعت الفعاليات اليمنية التي تناولت في الفترة الأخيرة فلسفة وسياسات اقتصاد السوق الحر على أن دور الدولة في اليمن يجب أن يتعزز في النشاط الاقتصادي والاجتماعي عموماً، وتحديداً نحو تحقيق التوازن والنمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة، ولتستعيد الدولة دورها في مجالات تخلت عنها في السابق. كما رأت أن على الدولة أن تكون معنية وبشكل مباشر بإقامة البنى التحتية والإشراف على توفير السلع والخدمات العامة وقيادة جهود العلم والتقانة، وخاصة في ظل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة حالياً داخل البلاد  وخارجها.
 ويتطلب هذا التغيير والدور الجديد للدولة البحث عن إطار نظري تستند إليه يتجاوز النظريات والمناهج المطبقة حالياً، ومن ثم وضع الإطار العام للنشاط الاقتصادي والاجتماعي وإعادة صياغة مجمل السياسات وحدود تدخلات الدولة وسن القوانين والنظم وتحديد علاقاتها مع المواطنين. ويجب أن تدفع الدولة بالنشاط الاقتصادي من خلال إعطاء حيز واسع للقطاع الخاص وتعزيز إمكانيات المؤسسات والأفراد وكذلك المسؤولية الذاتية للمواطنين في النشاط الاقتصادي دون أن تغيب كليةً عنه، مع تفويض بعض الرقابة لمنظمات المجتمع المدني. إذاً، يكمن جوهر التغيير والتحول في البحث عن التنظيم المناسب للنشاط الاقتصادي والادارة الفعالة، ومن ثم تطبيق هذا التنظيم وتحديد الأهداف والمستفيد.
وفي هذا الاتجاه، لايجب أن نسير بمعزل عن تجارب هامة وناجحة في أكثر من دولة، كما لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، بل علينا النظر حولنا وإلى النماذج الناجحة في تجارب الدول المختلفة والاستفادة من الدروس التي اعتمدت النهج الواقعي، ومنها اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يمكن أن يصبح خياراً أمثل للسياسات الاقتصادية والاجتماعية من خلال التوفيق بين اقتصاد السوق الحر والتدخل الحكومى المنظم المستند على شراكة مع المجتمع، وبما يتضمنه هذا النموذج من أسس وعناصر تلبي دعوات التغيير المنشود خاصة في الجانب الاقتصادي والاجتماعي.
ودون أدنى شك، فإن نجاح أية سياسات جديدة يتطلب رؤية تنموية ناضجة يتم تصميمها بما يلائم ظروف البلاد وواقعها الاجتماعي والثقافي وبيئة النشاط الاقتصادي، إضافة إلى تحفيز الدور الاقتصادي والاجتماعي للقطاع الخاص والتشاركي للمجتمع المدني. ويجب أن يكون دور الدولة مرناً ومتغيراً وفقاً لكل حالة ومرحلة يمر بها الاقتصاد، وفي ضوء التطورات الاقتصادية الداخلية والخارجية التي تتطلب مراجعة مستمرة للسياسات ودون الإخلال بالأسس والمرتكزات التي تتبناها الدولة، بما في ذلك الشراكة الثلاثية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني وخاصة نقابات العمال، لتتضافر الجهود لرسم ملامح التحول الاقتصادي وتحقيق تطور حقيقي ينعكس في نمو اقتصادي مضطرد وتحسين مستمر لمعيشة المواطن وتوفير فرص العمل. 
إن فشل برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري المدعوم باقتصاد السوق الحر لا يعني بالضرورة سقوط ذلك المنهج بكُلّيته، وإنما يحتمل تفسير ذلك الفشل بمجموعة عوامل أو بعضاً منها، على سبيل المثال عدم الجدية في تطبيق برنامج الإصلاح واستخدامه كورقة مساومة مع المجتمع الدولي، أو عدم التطبيق الكامل لبرنامج الإصلاح وانتقاء مكوناته السهلة والتهرب من الخوض في الإجراءات اللازمة لتحقيق هيكلة الاقتصاد الوطني خوفاً من ردة الفعل الشعبية. كما تؤدي هشاشة الاقتصاد الوطني وتركز هياكل أسواقه وخاصة السلع الأساسية بما يعزز الاحتكارات، وكذلك ضعف الدور الرقابي للدولة وتدني وعي المستهلك وغيرها إلى عدم إمكانية تفعيل آلية السوق وسيادة المستهلك في اقتصاد السوق الحر كما هو سائد في الدول المتقدمة، وبالتالي فإن التطبيقات والسياسات التي تنجح في الدول الغربية أو الصاعدة قد لا يتوفر لها ظروف وأسباب النجاح في دولنا في الوقت الراهن، وهي مسألة بحاجة إلى قدر من الإمعان والنظر.

لماذا التحول إلى اقتصاد السوق الاجتماعي؟ وما هي مزاياه؟
تناولت في المقالة الأولى من هذه السلسلة أبعاد التحديات والصعوبات التي أدت إلى فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية متمثلة في برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري الذي تبنته الحكومات اليمنية المتعاقبة منذ عام 1995 في إطار اقتصاد السوق الحر، كما ناقشنا الحاجة إلى إعادة النظر في فلسفة اقتصاد السوق الحر لعجزها عن تحقيق الأهداف التنموية وعدم ملاءمتها للظروف الاقتصادية والاجتماعية في اليمن، وضرورة التحول إلى منهج آخر خاصة بعد أن ساهم تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في السنين الأخيرة إلى تفجر الانتفاضات الشعبية. ونحاول في هذه المقالة إبراز فلسفة ومنهج اقتصاد السوق الاجتماعي مع بيان أسسه ومرتكزاته سواءً المتعلقة بمسئولية الدولة أو بيئة النشاط الاقتصادي أو المرتكزات الثقافية والإعلامية.
ويميل اقتصاد السوق الاجتماعي إلى الفكر الاقتصادي الكلاسيكي مع بعض التعديلات التي جعلته يُصنف كليبرالية جديدة تجمع بين الكلاسيكية الليبرالية وبين العناصر الإدارية والاجتماعية للدولة المتحكمة في الاقتصاد. ولا يركز هذا المنهج على الجوانب الاقتصادية فحسب، وإنما يهتم أيضاً بالحرية والعدالة الاجتماعية، بمعنى حرية شخصية في ظل مسئولية إجتماعية، حيث تعتبر الحرية شرطاً لازماً لتمكين الفرد من تحمل المسؤولية.
وقد عاد اقتصاد السوق الاجتماعي يستقطب اهتماماً متزايداً من الباحثين وأصحاب القرار السياسي والاقتصادي على المستوى الإقليمي والعالمي، بعد أن أدركت الدول أهمية الدور الذي يجب أن تقوم به للموازنة بين الاهتمامات الاقتصادية والاجتماعية. فهذا المنهج الذي يجمع بين دور الدولة الاقتصادي ودور القطاع الخاص لا يهتم بحرية الأسواق فحسب بل الأهم كفاءتها، مع التأكيد على البعد الاجتماعي في السياسات الاقتصادية واجراءتها، إذ يقود فشل الدولة في تأدية دورها الاقتصادي والاجتماعي إلى عدم استقرار سياسي، فضلاً عن أن تحقيق التوازن بين الأدوار الاقتصادية والاجتماعية أمر مطلوب وهام لتوفير البيئة اللازمة للتنمية والاستثمار.
فعقب الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى معسكرين، أحدهما يتبنى اقتصاد السوق الراسمالي والآخر يعتمد التخطيط المركزي تسيطر الدولة فيه على الإنتاج وأدواته، لم يبرز خيارٌ آخر، وإن كانت محاولات للجمع بين أفضل التطبيقات في المدرستين ظهرت على استحياء هنا وهناك. ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، فرض النموذج الرأسمالي نفسه على الجميع، رغم اختلاف التوجهات السياسية من بلد إلى آخر. وأصبح النقاش منذ ذلك الوقت، يدور حول المقارنة بين النموذج الأكثر ليبرالية أو النموذج المحافظ. وعاد بروز اقتصاد السوق الاجتماعي كنظام مفتوح ومرن يمكن تعديله وفقاً للظروف في مختلف البلدان. فنظام اقتصاد السوق الاجتماعي لا يمثل نقطة ثابتة على مقياس الأنظمة الاقتصادية، بل هو نطاق يتحرك إلى اليسار أو إلى اليمين وفقاً للاحتياجات والظروف. وتصبح أهم سمة لاقتصاد السوق الاجتماعي أنه نظام واحد يقدم كفاءة اقتصادية، وعدالة اجتماعية، وحماية بيئية.
ويعتبر العامل المشترك والحاسم بين حيثيات الاقتصاد الرأسمالي بشقيه الكلاسيكي الليبرالي والكينيزي وبين اقتصاد السوق الاجتماعي هو دور الدولة، والذي إما أن يكون حيادياً كما نادت به الليبرالية أو تدخلياً وفعالاً كما رأت الكينيزية. والمقصود بالحيادية هنا هو حصر أنشطة الدولة في إستتاب الأمن وضمان حرية السوق وتشجيع الاستثمار والمنافسة والابتعاد عن ممارسة الأنشطة التجارية والانتاجية، في حين تتولى قوى السوق تصحيح أية إختلالات خاصة ما يتعلق بالبطالة والتضخم. وفي الحالتين، فإن الظروف الاقتصادية من كساد أو نمو تشكل المحدد الرئيس لدور الدولة الاقتصادي، الأمر الذي يجعل اقتصاد السوق الاجتماعي إجمالاً لا يبتعد كثيراً عن النظرية الرأسمالية الأم. 
ويعود الفضل في نجاح الاقتصاديات التي تبنت اقتصاد السوق الاجتماعي في تحقيق الرفاه الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، وكذلك قدرتها على امتصاص الصدمات والأزمات الداخلية والخارجية إلى مجموعة المرتكزات والمقومات الفلسفية والقانونية والمؤسسية التي استند عليها بنائها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إذ لا بد من ارتكاز اقتصاد السوق الاجتماعي على دولة مؤسسات، وسيادة القانون، ونظام ديمقراطي يضمن توافق سياسي ومجتمعي يحافظ على حقوق ومصالح الفئات الاجتماعية المختلفة تجاه السياسات الاقتصادية والاجتماعية وخصوصاً الاتحادات والنقابات، وأخيراً جدوى وفاعلية المشروعات الاقتصادية. وتعتبر الشراكة الاجتماعية بين النقابات ومؤسسات الأعمال عنصراً أساسياً لتنظيم سوق العمل وتفعيل ديناميكيات الاستثمار وإقامة المشاريع وتوفير معدلات توظيف عالية وكذلك تحقيق العدالة الاجتماعية، والتي تمثل جميعها متطلبات لاقتصاد السوق الاجتماعي وأحد مزاياه الكبيرة من خلال تحقيق نمو مستدام في إطار سياسات اجتماعية تعيد توزيع الثروة.
وتنقسم المقومات الأساسية الداعمة لاقتصاد السوق الاجتماعي إلى مقومات متعلقة بمسئولية الدولة، وتلك المرتبطة ببيئة النشاط الاقتصادي، وكذلك مقومات الجانب الثقافي والإعلامي. وتتحدد مسئوليات الدولة في جوانب عديدة أولها الجانب التشريعي والقانوني والذي يتمثل في إصدار القوانين والأنظمة. كما تتحمل الدولة في الجانب السياسي والاجتماعي القيام بتعزيز قيم واتجاهات إيجابية في المجتمع أهمها احترام حقوق الإنسان الفردية والاجتماعية، والمشاركة الفردية في صنع القرار السياسي، وتوفير الخدمات الاجتماعية لصيانة التوازن الاجتماعي، وتشجيع المسئولية الذاتية لأفراد المجتمع، بالإضافة إلى التدخل عندما لا تتمكن المبادرات الخاصة أو التكافل والتضامن من معالجة المشاكل والصعوبات التي يواجهها الاقتصاد أو المجتمع. أما في الجانب الاقتصادي فيستدعي اهتمام الدولة بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وخاصة في التزام نظام مالي وضريبي كفؤ وفعال يوفر للدولة الموارد الكافية للقيام بواجباتها، وتبني سياسة نقدية ومالية تحقق الاستخدام الأمثل للموارد وتوفر الاستقرار الاقتصادي واستقرار الأسعار وسعر الصرف، وتطبيق نظام للتنظيم والمراقبة في ظل حرية الأسواق وآلية الثمن، والتصدي للمخالفات وتصحيح التشوهات، وتوفير السلع العامة لاسيما في التعليم والتدريب والصحة والنقل والبنية التحتية، باعتبار الإنفاق الاجتماعي استثماراً في رأس المال البشري ويعزز النمو الاقتصادي، فضلاً عن تشجيع المنافسة وحمايتها وتقديم الحوافز ودعم الابتكار لتطوير النشاط الاقتصادي ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي في هذه الجوانب.
وتستند تلك المسئوليات إلى نظام حكم رشيد يتمثل في سيادة القانون من خلال تطبيق النظام والقانون على كل أفراد المجتمع، وتعزيز استقلالية القضاء. كما يركز النظام على دعم استقلالية البنى المركزية لنقابات العمال وأرباب العمل والاهتمام بدور الغرف التجارية وتأكيد دورها الرقابي، وبالتالي ترجمة ذلك في تفويض وظائف الرقابة على القطاع المصرفي والتركز الاقتصادي إلى منظمات مهنية مستقلة.
أما بيئة النشاط الاقتصادي، فيعتبر تواجد الجهات الفاعلة والمستقلة في النشاط الاقتصادي واستعدادها للمشاركة وتطوير النشاط الاقتصادي وإيجاد الوسائل للتغلب على كافة الخلافات بين شركاء التنمية سمة رئيسة للشراكة الاجتماعية وعاملاًً ارتبط بنجاح اقتصاد السوق الاجتماعي. ويمكن تحديد تلك الجهات الاقتصادية والاجتماعية في الدولة التي تعمل على ملئ الفراغ وسد الثغرات في النشاط الاقتصادي الذي لا يتجه إليه القطاع الخاص أو لا يمكنه القيام به، ولاسيما في إصدار القوانين وشروط إطار العمل لاقتصاد السوق الاجتماعي، وتحديد الأولويات في المجالات المختلفة، وتقديم السلع والخدمات العامة عبر المؤسسات العامة المستقلة لضمان التوازن بين الأجور والأسعار، ودعم الابتكار. وفي المقابل، يتجه رجال الأعمال للاستثمار في ظل الأنظمة والقوانين مع إبراز مسئولياتهم في سداد الضرائب والرسوم التي تمول الخدمات الاجتماعية للدولة، والعمل على تحسين الإنتاجية والقدرة التنافسية، وتشجيع الابتكار ومتابعة كل جديد في الأسواق المحلية والخارجية، وتعزيز المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص والمحافظة على البيئة.
ويظهر دور منظمات المجتمع المدني في جوانب عديدة أهمها المشاركة في المجال والقرار السياسي، والمساهمة في تحسين الرعاية الاجتماعية والاقتصادية على المستوى المحلي، وتوفير المعلومات من أجل تعزيز الشفافية، ودعم محفزات التعلم مدى الحياة، والاهتمام بحماية المستهلك والسلوك الاجتماعي الصديق للبيئة. وفي ذات الإطار، تسعى النقابات العمالية إلى تحقيق العديد من المهام، أهمها توفير ظروف مقبولة اجتماعياً في سوق العمل، والتفاوض حول الأجور مع جمعيات أرباب العمل مع احترام ظروف السوق والمصالح الأساسية للشركات، ودعم اللجان العمالية في الشركات.
أما المراكز والمؤسسات العلمية والبحثية فتعمل على دراسة كفاءة اقتصاد السوق الاجتماعي من حيث الديناميكية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والحماية البيئية، وتقييم فعالية مختلف أدواته، وكذلك رصد التطورات داخل البلاد وخارجها وتقييم تأثيرها على اقتصاد السوق الاجتماعي مثل العولمة والتغيرات الديموغرافية والثقافية والبيئية والسلوك الاقتصادي والاجتماعي ودورات الأعمال التجارية، بالإضافة إلى تقديم الخدمات الاستشارية لكافة الجهات.
وأخيراً، بما أن اقتصاد السوق الاجتماعي يعتبر نموذجاً متعدد الأوجه، يصعب على المواطن العادي التوصل إلى فهم كامل عملياته الاقتصادية والاجتماعية وارتباطاته البيئية، فإن تقديم أي فكر أو منهج جديد بما في ذلك تبني اقتصاد السوق الاجتماعي يتطلب دوراً مصاحباً وفاعلاً للإعلام في تحقيق الاتصال الفعال وتوفير المعلومات، يتصدى للمقاومة ضد التغيير والتي تعتبر تحدياً يتمثل في وعي أفراد المجتمع بمبررات التغيير وعملياته الاقتصادية والاجتماعية. وينبغي على الدولة تسهيل هذا الدور ودعمه بما يحقق مصلحة المجتمع، وخاصة في نشر الوعي بين أفراد المجتمع من خلال البرامج الإذاعية والتلفزيونية وشبكات التواصل الحديث، وتعزيز دور جمعيات ومؤسسات حماية المستهلك والمنتج والمحافظة على البيئة في التوعية وتوجيه المواطن نحو القضايا الأساسية والسلوك الاستهلاكي السليم وتوفير المعلومات ذات الصلة في الوقت المناسب.


مبادئ وأهداف اقتصاد السوق الاجتماعي لبناء دولة مؤسسية ديمقراطية
استكمالاً للمقالتين السابقتين حول اقتصاد السوق الاجتماعي واللتين تناولتا أبعاد التحديات والصعوبات التي أدت إلى فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية منذ عام 1995 في إطار اقتصاد السوق الحر والحاجة إلى إعادة النظر في تلك الفلسفة والتحول إلى منهجٍ آخر يلبي دعوات التغيير ويحرك عجلة التنمية، تنتقل هذه المقالة الثالثة لتبرز مبادئ وأهداف اقتصاد السوق الاجتماعي والذي يعرف بأنه نظام اقتصادي قائم على المنافسة في ظل حرية السوق ومساندة الحكومة بعناصر حماية اجتماعية تمكن المجتمع من التطور المستمر. وتتصف فلسفة اقتصاد السوق الاجتماعي بأنها قادرة على التوافق مع أية أيديولوجية أو فكر سياسي، وتوجه التركيز على إعادة بناء مفاصل الاقتصاد الوطني في إطار دولة مؤسسية قانونية وديمقراطية لتوفير الظروف المعيشية المناسبة للسكان.
لقد عكست التطورات والمتغيرات التي سادت نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين تغيراً نوعياً في عملية التنمية وفي آليات السوق ومهام الدولة، والمطلوب هو إعادة تحديد دور ووظائف الدولة في ضوء الشراكة مع كل من القطاع الخاص والمجتمع المدني، مما يوجب إشراك المجتمع بقطاعاته لتجسيد رؤية تنظر إلى التنمية باعتبارها عملية شاملة ومستدامة، عملية مجتمعية يشارك فيها كل أفراد المجتمع، عملية موجهة ومخطط لها، عملية تحقق التوازن بين الريف والحضر وبين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وبين الحاضر والمستقبل وبين احتياجات الناس وسلامة البيئة ومواردها، عملية توسع خيارات الناس وتحترم حقوقه وكرامته ولتتسع فيها فضاء الحريات العامة. فالسوق المنفتح وغير المقيد لا يتوافق بالضرورة مع النظام الديموقراطي، فضلاً عن أن تبني اقتصاد السوق الحر لا يعنى أن تتم إدارة المجتمع وتسييره كملحق بالسوق. كذلك، لا تقتضي التنمية في ظل نظام اقتصاد السوق الحر دولة ضعيفة، بل تستلزم دولة فاعلة مؤسسياً وقانونياً تمكن الفقراء والفئات الأكثر هشاشة من تحسين معيشتهم. ويصبح الحكم الرشيد أيضاً ضرورة لكي يحقق اقتصاد السوق في حد ذاته نمواً ويتطور باستمرار، أي أن النموذج الإنمائي الجديد يتطلب التوفيق بين ديناميكيات الرأسمالية في ظل اقتصاد السوق الحر وبين متطلبات الاستقرار السياسي والاجتماعي والمتمثلة في الآتي:
1. دور فاعل للدولة سياسياً واجتماعياً ومتوازن اقتصادياً.
2. دور اقتصادي فاعل للقطاع الخاص تشرف عليه الدولة وفق آليات السوق والمنافسة. 
3. نمو المساهمة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع المدني في ضوء الشراكة مع الدولة. 
4. تعزيز الديموقراطية من خلال الحكم المحلي وتحسين شروط الحكم الرشيد المتمثلة في سيادة القانون واستقلال القضاء والشفافية ومحاربة الفساد.
5. ارتكاز التنمية الشاملة وشرط استدامتها التنمية البشرية.
6. تحقيق التمكين والإنصاف للفئات الفقيرة والمهمشة، وإدماج المرأة والشباب في برامج التنمية.
ويشمل اقتصاد السوق الاجتماعي ثلاثة جوانب رئيسة هي المجتمع ويقصد به الموارد البشرية ومكوناتها القيمية وطموحاتها المستقبلية، وكذلك السوق الذي يعتمد على آلية الطلب والعرض في تحقيق التوازن الاقتصادي، وأخيراً البيئة التي تعني استدامة الموارد المادية والحفاظ عليها. وتبرز في هذا السياق ثلاثة مبادئ عامة يستند إليها اقتصاد السوق الاجتماعي تبدأ بما يسمى "الروح الفردية والمسئولية الذاتية" والتي تمثل المثالية الليبرالية والمعبر عنها بالملكية الخاصة والتنافس الحر، مما يعني أن على الفرد بذل الجهد للحصول على التعليم الجيد والرعاية الكافية بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية. ويشير " التضامن الاجتماعي" وهو المبدأ الثاني إلى أن الإنسان يتواجد في مجتمع تتجاذبه المصالح للتغلب على الظلم، وبالتالي فإن الأفراد الأكثر ثراء في المجتمع عليهم المساهمة في تحسين الفرص ونوعية الحياة للأفراد الذين لا يستطيعون تحقيق المستوى اللائق للمعيشة، والذي يمكن أن يتحقق من خلال الضرائب أو غيرها. أما المبدأ الثالث وهو "التبعية للدولة" فيعني أن على القاعدة المؤسسية تشكيل العلاقة بين المصالح الفردية والمبادئ التضامنية الاجتماعية لتضمن الحقوق الفردية وتمنحها الأولوية، وبالتالي أن كل ما يمكن القيام به من قبل الأفراد لا ينبغي أن تقوم به الدولة، مع المحافظة على دور فاعل للدولة خاصة في حالات الركود والكساد أو التضخم الجامح، والكوارث الطبيعية، وحماية البيئة.
وتشير هذه المبادئ إجمالاً إلى أن حقوق الفرد والحرية الاقتصادية تمثل الشرط الذي تنفذ من خلاله العدالة والتضامن الاجتماعي، إذ يهدف اقتصاد السوق الاجتماعي إلى الموازنة بين مبادئ السوق ومبادئ المسئولية الاجتماعية وجعلها برنامجاً سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً متكاملاً. ففي مقابل ثقة الليبرالية التقليدية بعوامل العرض والطلب في إدارة اقتصاد السوق، تضاءلت تلك الثقة وبرزت الحاجة إلى آليات إضافية تضمن الحماية الاجتماعية. وبالتالي، يُعتبر اقتصاد السوق الاجتماعي توليفة سياسية اقتصادية تتجاوز آلية السوق في الفكر الليبرالي إلى مفهوم أخلاقي إجتماعي في النظريات الاجتماعية التنموية.
أما أهداف اقتصاد السوق الاجتماعي، فتمتد من تحقيق النمو الاقتصادي إلى العدالة الاجتماعية وضمان الرعاية للمجتمع وإلى حماية البيئة. ويمكن تحديد تلك الأهداف في أهداف اقتصادية، أهمها الاستقرار المالي والذي يتطلب الموازنة بين الإنفاق والإيراد وتغطية الإنفاق الجاري من عائدات الضرائب لضمان استقرار الأسعار، والتوازن في التجارة الخارجية من خلال الصادرات والواردات لتحقيق استقرار أسعار الصرف، والسعي لتحقيق التوظيف الكامل والذي يعكس الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية، وتشجيع الابتكار والنمو الذي يعبر عن الاهتمام النوعي للإنتاج والسعي إلى تقديم منتجات جديدة بتقنيات حديثة تساعد على فتح أسواق وتؤدي إلى زيادة النمو الاقتصادي. وتتمثل الأهداف الاجتماعية في زيادة فرص التعليم وتشجيع الأفراد للالتحاق بالتعليم لضمان العدالة الاجتماعية، وتطوير الجانب الصحي وتقديم الخدمات الطبية المناسبة، وتوفير الرعاية الاجتماعية من خلال المعاش التقاعدي وأنظمة الحماية الأخرى، والاهتمام بالسلوك والأخلاق وتفعيل المشاركة الفردية للمجتمع في خلق الثروة، وأخيراً تحقيق النمو الشامل عبر الاهتمام المتوازن للجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي المقابل، تتحقق الأهداف البيئية من خلال استخدام تقنيات حديثة صديقة للبيئة يمكن إيجازها في زيادة إنتاج الطاقة المتجددة والمحافظة عليها، وتقليل انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، والتخلص من النفايات.
ويجب الانتباه إلى حقيقة هامة هي أن الخروج من وهم الاعتقاد بأن الدولة ومن خلال تدخلاتها في كافة المجالات قادرة وبشكل منفرد على قيادة الاقتصاد وتحقيق التنمية والتقدم، قد ينتهي إلى وهم آخر بأن توسيع دور القطاع الخاص وحده هو الطريق إلى تحقيق التنمية والازدهار. والواقع، أنه لا بد من تحقيق التوازن بين الدورين في ضوء المعطيات والإمكانيات والقدرات المتاحة لكل منهما. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هل يستطيع القطاع الخاص في اليمن القيام بدور إيجابي في عملية التحول الاقتصادي؟ وهل هو قادر على قيادة النشاط الاقتصادي نيابة عن الدولة؟
في حين يرى البعض أنه لا يمكن الاطمئنان كلية إلى تولي القطاع الخاص الوطني المهام الرئيسية في التحول الاقتصادي، فإن على الدولة أن تساعد في توسيع وتطوير قطاع الأعمال وتدفع به لإقامة مؤسساته التمثيلية المستقلة والقادرة على ترجمة الشراكة مع الدولة بشكل فاعل في إطار التحول الاقتصادي. وفي المقابل، على القطاع الخاص أن يؤطر ذاته ويعمل على تعزيز دوره من خلال تكتلات استثمارية كبيرة وشركات مساهمة تستطيع أن تسهم بدور رئيسي في النشاط الاقتصادي وتأسس لدور أكبر في المستقبل.

هل يمكن تطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي في الدول المختلفة؟
اختتاماً للمقالات الثلاث السابقة حول اقتصاد السوق الاجتماعي تنظر هذه المقالة الرابعة والأخيرة في إمكانية تطبيق منهج اقتصاد السوق الاجتماعي على الدول المختلفة وكذلك المعنى الحقيقي والجوهري لمثل ذلك التحول والذي يتجاوز النشاط اقتصادي إلى أسس وركائز الدولة المؤسساتية والديمقراطية. ويثير بعض المفكرين والاقتصاديين سؤالاً جوهرياً حول إمكانية تطبيق منهج اقتصاد السوق الاجتماعي على الدول المتحولة من النظام الاشتراكي إلى النظام الاقتصادي الرأسمالي والسياسي الديمقراطي، كما حصل في الجمهورية اليمنية التي أعلنت في مايو 1990. ورغم أن الأغلب يرون في النموذج الألماني لتطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي حالة تاريخية خاصة، إلا أن الأزمات التي تجاوزتها الدول التي تبنت هذا المنهج وكذلك تطوره عبر السنين أثبت قابلية تطبيقه على البلدان المختلفة من خلال توسيع أو الحد من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. ويتسم نظام اقتصاد السوق الاجتماعي بمجموعة من الخصائص، أهمها المرونة والتي يقصد بها إمكانية زيادة أو تقليص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي حسب مراحل تطور الدولة والضرورة والاحتياج، وكذلك الانفتاح الذي جعل هذا النظام يتميز بالكفاءة والتطور والابتكار نظراً لقدرته على التعامل مع المتغيرات والأحداث الداخلية والخارجية.
فمع مرور السنوات، اتجهت نظرية اقتصاد السوق الاجتماعي نحو العمل بقوى السوق مع الاحتفاظ بالجوانب الاجتماعية بحسب الحاجة والضرورة. بل إن البعض يرى أن التزام اقتصاديات العالم بمبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي يجنب العالم الأزمات المالية والاقتصادية أصلاً، خاصة وأن السوق الحرة أداة غير مسئولة للتطور وقيمها الأخلاقية عمياء، وبالتالي فاقتصاد السوق الاجتماعي يعتمد على الدولة في المحافظة على النظام وإعطاء الناس الإطار الذي يطور قدراتهم وفرصهم الاقتصادية، ويجعل من الممكن التغلب على التخلف وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، جنباً إلى جنب مع العدالة الاجتماعية.
فالأمر الهام أن هذا النظام ينشئ توازناً ديناميكياً بين مكونات العملية الانتاجية والسياسية والمجتمعية باعتباره نظام مرن ومفتوح للأفكار الجديدة والتطورات، وبالتالي يطمح إلى التحسين المستمر عن طريق فحص فعاليته ونتائجه من خلال المقارنات الدولية ورضا المواطن. وتستطيع الاقتصاديات التي تتبنى هذا المنهج أن تتعامل مع الظروف والمتغيرات المختلفة مقارنة بالأنظمة الاقتصادية الأخرى، فمثلاً عند زيادة معدل البطالة تتدخل الدولة ويكون دورها أكثر فاعلية، وعلى العكس من ذلك في حالة التوظيف الكامل. لذلك، يكون دور التقييم والمتابعة العملية والعلمية له من خلال الخبراء وراسمي السياسات الاقتصادية أمراً مطلوباً لوضعه دوماً في المسار الصحيح.
ويظهر تساؤلٌ آخر حول التحول إلى اقتصاد السوق الاجتماعي كتحدي في حد ذاته، خاصة لتبرير هجر فلسفة اقتصاد السوق الحر الذي تتبناه الدولة اليمنية والمنصوص عليه في دستورها الحالي إلى فلسفة أو منهج آخر كاقتصاد السوق الاجتماعي. ويتبادر إلى الذهن مجموعة تساؤلات، أولها أننا قد نحتاج في حال الخوض في هذه التجربة وعدم تحقيق الأهداف المتوخاة أن نعود مرة أخرى للبحث عن فلسفة ونظام جديدين، وهكذا نستمر في عمل دائري لا ينتهي. لذلك، فإن أي تحول أو تغيير في المنهج الاقتصادي يستوجب الدراسة العميقة لطبيعة النظام الاقتصادي وجوانبه السياسية والاجتماعية وخصائصه والسياسات الاقتصادية التي اتبعها وتقييم النجاح والفشل وأسبابه، ومن ثم البحث في البدائل النظرية ودراستها وتقييم تطبيقاتها والنظر في مقومات ومتطلبات نجاحها.
الأهم، أن على الحكومات تجديد طرائقها في الادارة وتمكين الناس من المشاركة الشعبية في الحكم والتنمية. كما أن اعتماد آليات السوق لا يعني أن تتخلى الدولة عن مسؤليتها تجاه المجتمع، إذ أظهرت تجارب دول آسيوية عديدة مثل كوريا الجنوبية وماليزيا تحقيق تطور ملحوظ باعتماد اقتصاد السوق الحر الذي ارتبط بدور فاعل وأساسي للدولة في تطوير البنية التحتية وتطوير التعليم والتدريب النوعي للقوى العاملة وتقديم الخدمات الاجتماعية والضمان الاجتماعى للفقراء والعاطلين عن العمل، وأولاً وأخيراً توفير مناخ موات للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي اليمن، مع التحول الديمقراطي وتبني التعددية السياسية والتحول الاقتصادي نحو اقتصاد السوق الحر، واللذين أصبحا واقعاً لا يمكن الرجوع عنه في ضوء الظروف الدولية والإقليمية والمحلية، فإن الدولة ملزمة في إدارتها للشأن الاقتصادي بإشراك جميع الفاعلين ومنهم المؤسسات التمثيلية للقطاع الخاص والنقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني من جماعات الحفاظ على البيئة وجمعيات حماية المستهلك وغيرها، كل حسب طاقاته وقدراته. لذلك، تجري الحكومات مشاورات قبل إصدار القوانين أو تبني سياسات من شأنها التأثير على الأوضاع والمصالح الاقتصادية والاجتماعية أو البيئية، فضلاً عن مسئوليتها في تقديم الحلول تجاه حاجات المجتمع وقضاياه. ولن تكون الدولة ومؤسساتها وأعمالها ناجحة إلا إذا دخلت في حوار مستمر مع أولئك الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، بالإضافة إلى ضرورة أن يكون دورها مرناً وفقاً لكل حالة ومرحلة يمر بها الاقتصاد، وفي ضوء التطورات الاقتصادية الداخلية والخارجية.
وعادة ما تنبع الضغوط لتغيير دور الدولة من مصادر ثلاث تتمثل أولاً في المواطنين الذين يريدون وجوداً أكبر للحكومة والاستجابة لمطالبهم واحتياجاتهم، وثانياً القطاع الخاص الذي يطالب بحرية أوسع للأسواق وقوانينها، وأخيراً التأثيرات الخارجية الناتجة عن تطورات واتجاهات اجتماعية واقتصادية عالمية أو إقليمية. كما يعتبر الحوار مع الأحزاب السياسية وداخلها أمراً ضرورياً لإشراكها في صنع القرار وخاصة القرارات بعيدة المدى.، وفي ضوء هذا الحوار تقوم الدولة بمراجعة دورها على صعيد النشاط الاجتماعي والاقتصادي، سواءً بإعادة توجيهه وتشكيله أو تقليصه أو توسيعه وكذلك تحديد ما ستقدمه الدولة من سلع وخدمات عامة، ومعرفة ما هو مقبول اجتماعياً.
كما أن تحديد دور الدولة في إطار اقتصاد السوق الاجتماعي يتطلب أيضاً بيان نطاق كل من القطاع الخاص والمجتمع المدني، وكذلك مراجعة تلك الأدوار من وقت لآخر في ضوء التطورات المحلية والخارجية والتكيف مع المتغيرات العميقة في المجتمع وفي سوق العمل، والاستفادة من المرونة التي يوفرها هذا النظام الاقتصادي في تحقيق التوافق المجتمعي على السياسات والقرارات الاقتصادية الهامة، مع توفير أساسيات لهذا التوافق، أهمها شروط الإطار العملي، إذ أن توفر القوانين اللازمة والقضاء المستقل واحترام حقوق الإنسان الفردية والاجتماعية والمشاركة في صنع القرار، مع إحداث تغيير ايجابي ونوعي في أسلوب الادارة وإزالة ما اقترن بها من بيروقراطية وفساد، كلها شروط لا غنى عنها في توفير نظام توجيهي طويل الأمد للأنشطة الاقتصادية. وبدون هذا الإطار العملي الواضح والمقبول اجتماعياً، سوف تسعى جهات اقتصادية عديدة إلى تحقيق أقصى قدر من الأرباح والحصول على مزايا على حساب الآخرين أو حتى على حساب المجتمع كله.
الخلاصة، أننا حين نتفق على عملية التحول في اليمن نحو اقتصاد السوق الاجتماعي بمبررات عقلانية ومنطقية وتوجيهه نحو الصالح العام، نؤكد على دور الدولة في العديد من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وتحولها بشكل عام من العمل المباشر في النشاط الانتاجي إلى الدور الاشرافي والتنظيمي مع تواجدها الفاعل في المجالات الاستراتيجية أو التي يحجم القطاع الخاص عن ممارستها. فالتحديات التي تواجه الدولة بنيوية تتطلب تحقيق التنويع والتوازن في هيكل الناتج المحلي وتصحيح اختلالات سوق العمل، وإصلاح الموازين العامة والسياسة النقدية وأدواتها، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة. كما أن تدخل الدولة لا يقتصر على تصحيح فشل السوق وإنما أيضاً إعادة توزيع الدخل والثروة، ودعمها للمجالات الاجتماعية بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية.


مبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي والتأصيل الإسلامي لها
قدمت في سلسلة 4 مقالات خلال الشهر الفائت فلسفة ومنهج اقتصاد السوق الاجتماعي والذي يوازن بين حرية الاقتصاد الذي يشجع المنافسة ويحقق الكفاءة وبين العدالة الاجتماعية التي تضمن كرامة الإنسان والوئام الاجتماعي من خلال توفير الاحتياجات الأساسية للجميع. وقد انطلق ذلك الفكر والمنهج الاقتصادي من ألمانيا وتحديداً بعد الحرب العالمية الثانية، واشتهر في الغرب من خلال تطبيق كل أو بعض سياساته وأدواته في اقتصاديات أوروبا الغربية وخاصة الدول الاسكندنافية. وخلال المناقشات العديدة لهذا الموضوع التي تبناها المرصد الاقتصادي للدراسات والاستشارات تعرض للنقد من بعض الزملاء الأكاديميين باعتباره فكراً أجنبياً، في حين ينبغي أن نبحث عن مخارج ومعالجات لأوضاعنا الاقتصادية من تراثنا وخاصة الإسلامي. كما طلب مني زملاء آخرون مواصلة سلسة المقالات واستعراض تجارب ناجحة تعزز من حجية هذا المنهج. فوجدت نفسي مندفعاً لتلبية ذلك الطلب وفي الوقت نفسه تناول الرأي الناقد والذي أتفق معه كلية حول ضرورة الاستزادة من شريعتنا الغراء ومن تراثنا الإسلامي وخاصة في العلوم الاجتماعية كالاقتصاد.  
وأقول ابتداءً أن مبادئ منهج اقتصاد السوق الاجتماعي وأساسياته لا تقتصر على الفكر الغربي وإنما نجدها في ديننا الإسلامي والذي يمثّل – دون تعصب – قمة العدالة الإنسانية. كما نجد تطبيقاته المختلفة منذ العصر الرسولي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وكذلك في الخلافة الأولى، وبشكل خاص عندما توفرت الموارد للدولة إذ يروى أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعد أن امتلأت خزائن بيت مال المسلمين وتم توفير احتياجاتهم في الأمصار الخاضعة للخلافة الإسلامية أرسل يبحث عن من يحتاج إلى الزواج ليزوجه من بيت المال، وهو ما يبيّن مسئولية الدولة وتكافل المجتمع من ناحية، ويبرز مبدأي الانفتاح والمرونة اللذين يميزان اقتصاد السوق الاجتماعي من ناحية أخرى. فقد اتجهت الدولة الإسلامية عندما تتوفر لها الموارد المالية إلى تغطية احتياجات قد لا تكون أساسية، والعكس إذا شحّت تلك الموارد فتقتصر على الضروريات القصوى.
لقد أوردت كتابات اقتصادية لمفكرين عرب ومسلمين ومنذ وقت مبكر لا يتجاوز القرن الهجري الثاني والثامن الميلادي العديد من تلك المبادئ والأفكار والتي تظهر في مجملها فلسفة الاقتصاد في الإسلام وكذلك السياسات التي تبنتها الدول والولايات الإسلامية في وقت كانت أوروبا تغرق في ظلامها الفكري وحروبها الطاحنة. فهناك الفقيه القاضي يعقوب بن إبراهيم الأنصاري والمكنى بأبي يوسف (113-184هـ) وهو قاضي قضاة بغداد في زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد والذي عاش مرحلة شهدت أحداث كبيرة، وجاء كتابه "الخراج" لصياغة سياسة وأساس اقتصادي للدولة. وقد برزت إسهاماته الفكرية والتي لها علاقة باقتصاد السوق الاجتماعي في مسألة التوزيع حيث يؤثر نمط التوزيع تأثيراً كبيراً على النشاط الاقتصادي وفاعليته وعلى التبادل التجاري من خلال تخصيص الموارد وتوزيع وإعادة توزيع الدخل لتحقيق الإشباع للاحتياجات الإنسانية وتقليص الفوارق بين الدخول.
ويعتبر محمد بن الحسن الشيباني (132-189هـ) كذلك من أعلام الفكر الاقتصادي الإسلامي. ويمثل كتابه "الاكتساب في الرزق المستطاب" إضافة كبيرة وأصيلة في الفكر الاقتصادي الإسلامي لما احتواه من صياغات فكرية اقتصادية متقدمة وخاصة رؤيته في أن الكسب أي العمل أساس نظام العالم. وقد اعتبر الشيباني العمل فرضاً بالدليل النقلي والعقلي استناداً إلى مبدأ الاستخلاف وعمارة الأرض. وبالتالي يرى الاقتصاديون المعاصرون أن تأكيد الشيباني على فرضية العمل يدفع الاقتصاد للتشغيل عند مستوى إنتاجية عالية وبطالة منخفضة، مما يؤدي إلى تلبية الاحتياجات البشرية تلقائياً عند حد الكفاية. وفي حالات معينة، يمكن أن تظهر ضغوط لإعادة توزيع الدخول فوق حد الكفاية من خلال آليات تلتزم الضوابط الشرعية لإطلاق موارد اقتصادية معطلة وإدخالها في النشاط الاقتصادي. وبالتالي يقرر الشيباني أن تحصيل الدخل عند حد الكفاية فرض عين، مع إمكانية زيادته عندا تحسن الظروف الاقتصادي والاجتماعية. وفي هذا يعتمد موضوع التوزيع عند الشيباني على البعد الاجتماعي ولم يقتصر على الجانب الاقتصادي البحت. وأكد الشيباني كذلك أن المسلم لا يذهب إلى بيت مال المسلمين حتى يستنفد كل فرص البحث عن عمل حتى لو كان العمل غير منتج صعباً كان أم بسيطاً، وليكون الفرد بذلك فاعلاً اقتصادياً ولا يبقى عالة على أحد. وفي مجال الاستهلاك، يرى أن المستهلك الفرد ليس حراً على إطلاقها في سعيه للوصول إلى أقصى منفعة كلية، إذ أن قيده في هذه الحالة يتجاوز قيد الدخل المعتاد إلى الضوابط الشرعية ومحدداتها في الاستهلاك.
أما الإمام المجدد أبو حامد الغزالي فقد دعى في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي إلى إحياء التراث الإسلامي ومنه الاقتصادي واهتم بمناقشة المفاهيم والمتغيرات الاقتصادية ومنها مسألة الملكية ببعديها الفردي والجماعي لتتميز طروحاته عن الفكر الرأسمالي والاشتراكي. وقام بتحديد معناها والغاية من وجودها والذي لا ينفصل عن معنى المال والغاية منه. فالإنسان لا يعتبر المالك الحقيقي إذ المالك هو الله سبحانه وتعالى، وقصد المشرع في التملك هو توظيف طاقات الإنسان للاستفادة من خيرات الطبيعة والتعامل معها على أنها مسخرة له. وفي حين ضمن المشرع الملكية الخاصة وصانها من العبث والضياع والاعتداء، فإنه تناول أيضاً ضبط استعمال هذا الحق وتقييده وفقاً للقواعد الشرعية المعتبرة وكذلك نزعها لأحوال تقتضيها مصلحة الجماعة.
وتناول الإمام الغزالي أيضاً مسألة أجر العمل، وأشار إلى أن تحديده يعتمد معيار العمل وليس القيمة الاستبدالية للشيء المنتج، لأن الفرق بينهما يعكس توزيعاً غير عادل للعائد الإنتاجي، وأن الأجر العادل يتحدد بما يبذل العامل من جهد في إنتاج السلعة. ويُفسر الغزالي التوزيع غير العادل لعوائد الإنتاج وخاصة أجر العمل بسيطرة العادات والتقاليد الجائرة بحق الضعفاء، لذلك وقف أمام أي شكل من الاستغلال في علاقات العمل والتوزيع. وفي المقابل، أكد الغزالي على مباشرة الدولة الإسلامية مسئولياتها في الإشراف الكامل على بيت المال (وزارة المالية) وتقدير استخدام الإيرادات والعوامل المؤثرة فيها ومنها العامل السياسي وعلاقة السلطات ببيت المال واستحقاقه منها. ونظر الغزالي كذلك إلى قضية الفقر من خلال تقسيم شرائح المجتمع وتأثير العلاقة المتبادلة بين الإنسان وطلبه المتزايد على المال، بالإضافة إلى تقييمه لقيم الرضا والقناعة والزهد والصبر وغيرها.
وأخيراً، فإن عبدالرحمن ابن خلدون (1331-1405م) والذي يعود إليه الفضل في إحداث نقلة معرفية ومنهجية في تناول الاقتصاد بشكل مستقل، فقد تطرق للنشاط الاقتصادي بشكل عام ولمسائل اقتصادية عديدة منها الملكية الخاصة والقيمة والأسعار وكذلك النقود ودورها. وأعطى ابن خلدون العمل الدور الفاعل في حياة الإنسان، كما نظر إلى العمل ليس كضرورة من أجل تلبية الاحتياجات فحسب وإنما أيضاً لإثبات الذات والوجود - وهو ما تؤمن به المدرسة الاشتراكية - وانتقد لذلك بشدة من يتواكل أو يعيش عالة على الآخرين. وقد جاء تقي الدين المقريزي (1346-1443م) متأثراً بابن خلدون بشكل كبير، بالإضافة إلى أنه عايش أزمات اقتصادية خانقة بسبب المجاعات المتقطعة والتي جعلته ينكب على تحليل الأزمة الاقتصادية ليستنتج أن القحط والمجاعات والنكبات الأخرى هي نتاج عوامل طبيعية واجتماعية واقتصادية وتدوم بديمومتها. ويقول المقريزي في تحليله للأزمة الاقتصادية:"...ومن تأمل هذا الغلاء من بدايته إلى نهايته وعزمه من أوله إلى غايته علم أن ما حلّ بالناس ليس سوى بيد الزعماء والحكام وغفلتهم عن النظر إلى مصالح البلاد...". وفي الأسباب الاجتماعية، أبرز فساد الإدارة وانتشار الفوضى التي تؤدي إلى الأزمات الاقتصادية (سبحان الله ما أشبه ذلك بواقعنا اليوم). واعتبر أن معالجة ذلك يكمن في القضاء على أسبابها وآثارها، وتحديداً من قبل الدولة سواءً في الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي.
خلاصة القول، وبعد استعراض آراء بعض المفكرين العرب والمسلمين في قرون سابقة حول مبادئ وأصول فكرية مشتركة مع اقتصاد السوق الاجتماعي الحديث، فإنه لا ينبغي أن نظهر تحسساً أو تضايقاً من أفكار وتطبيقات دنيوية ناجحة لدى الغير، بل يُفترض منا الاستفادة منها والبحث عنها أو ما يقابلها في تراثنا الغني وتطوير كل ذلك بما يتناسب مع متطلبات الزمان والمكان في سبيل فائدة البشرية جمعاء. ويبقى مرشدنا في البحث أن "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها".                                  

  • تشرين2 28, 2012

Top